السيد أحمد بن زين العابدين العلوي العاملي

65

الحاشية على أصول الكافي

قال عليه السلام : ما العقل . [ ص 11 ح 3 ] أقول : الحاصل أنّ النفس النوريّة المطمئنَّةَ الطبع ، المعتدلةَ الخلقة ، العاليةَ الجوهر عن هذا العالم ، فإنّ شأنها الانفعال عن الملكوت الأعلى واتّصالها بالملأ المتعالى والاتّكال بباريها تعالى في أمر دنياها واستعمال الرؤية والفكر على سبيل القصد ، والمراد من العقل هاهنا هو هذا الانفعال ، ومرجعه إلى التعقّل للُامور والقضايا المستعملة في كتب الأخلاق التي هي مبادي الآراء والعلوم لنا أن نعقلها لنفعلها ، أو نتجنّب عنها . ونسبة هذه القضايا إلى العقل المستعمل في كتاب الأخلاق كنسبة العلوم الضروريّة إلى العقل المستعمل في كتاب البرهان ، فذانك العقلان حالتان للنفس المجرّدة : إحداهما حالة انفعاليّة بها تنفعل عن المبادي العالية بالعلوم والمعارف التي غايتها أنفسها ، وهي الإيمان باللَّه واليوم الآخر ؛ وثانيتهما حالة فعليّة عمليّة تفعل فيما تحتها بسبب الآراء التي غايتها العمل بمقتضاها من فعل الطاعات ، والاجتناب عن المعاصي ، والتخلّق بالأخلاق الحسنة ، والتخلّص عن الأخلاق الذميمة ، وهو الدين والشريعة ، فإذا حصلت الغايتان ، فقد عُبد به الرحمن ، واكتُسب به الجنان . قال عليه السلام : قلت : فالذي كان . [ ص 11 ح 3 ] أقول : لا يخفى أنّ ما يسمّون الجمهور العاميّة العقلَ مرجعه إلى جودة الرويّة وسرعة التفطّن في استنباط ما ينبغي أن يؤثّر أو يتجنّب وإن كان في باب الأغراض الدَنِيّة الدنياويّة وهوى النفس الأمّارة بالسوء الشيطانية ، فإنّ الناس مَن له هذه الرويّة يسمّونه عاقلًا ، ومعاوية من هذا القبيل ! فلذا يعدّونه من العقلاء . وأمّا أهل الحقّ ، فلا يسمّون هذه الحالة عقلًا بل اسماً آخر كالنكراء أو الشيطنة أو الدهاء أو شبه هذه الأسماء ، والوجه في ذلك أنّ النفس الإنسانيّة على أنّه لم يكن نشأتها مرتفعةً عن عالم الحركات ، وكان الغالب على طبعها الجزءَ الناريَّ التي شأنها سرعة الحركة وقوّة الاشتعال ، فمثل هذه النفس الناريّة شديدة الشبه والمناسبة المتأكّدة إلى الشيطان في استنباط الحيل والمكر والاستبداد بالرأي والعمل بالقياس الفاسد والإبلاء